مرتضى الزبيدي

22

إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين

يتصرف فيها ليستعمل بواسطتها أربابها في أغراضه ومآربه . وكما أنه يكتسب الأموال بأنواع من الحرف والصناعات فكذلك يكتسب قلوب الخلق بأنواع من المعاملات ، ولا تصير القلوب مسخرة إلا بالمعارف والاعتقادات ، فكل من اعتقد القلب فيه وصفا من أوصاف الكمال انقاد له وتسخر له بحسب قوة اعتقاد القلب وبحسب درجة ذلك الكمال عنده ، وليس يشترط أن يكون الوصف كمالا في نفسه بل يكفي أن يكون كمالا عنده وفي اعتقاده ، وقد يعتقد ما ليس كمالا كمالا ، ويذعن قلبه للموصوف به انقيادا ضروريا بحسب اعتقاده ، فإن انقياد القلب حال للقلب . وأحوال القلوب تابعة لاعتقادات القلوب وعلومها وتخيلاتها ، وكما أن محب المال يطلب ملك الأرقاء والعبيد فطالب الجاه يطلب أن يسترق الأحرار ويستعبدهم ويملك رقابهم بملك قلوبهم ، بل الرق الذي يطلبه صاحب الجاه أعظم ، لأن المالك يملك العبد قهرا والعبد متأب بطبعه ، ولو خلي ورأيه أنسل عن الطاعة ، وصاحب الجاه يطلب الطاعة طوعا وينبغي أن تكون له الأحرار عبيدا بالطبع والطوع ، مع الفرح بالعبودية والطاعة له ، فما يطلبه فوق ما يطلبه مالك الرق بكثير ، فإذا معنى الجاه : قيام المنزلة في قلوب الناس أي اعتقاد القلوب